الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

49

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هو أهله من خير أو شر فكأنّ ما عداه من الأيام المشهورة في تاريخ البشر غير ثابت الوقوع . وفرّع عليه فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً بفاء الفصيحة لإفصاحها عن شرط مقدر ناشئ عن الكلام السابق . والتقدير : فإذا علمتم ذلك كله فمن شاء اتخاذ مآب عند ربه فليتخذه ، أي فقد بان لكم ما في ذلك اليوم من خير وشر فليختر صاحب المشيئة ما يليق به للمصير في ذلك اليوم . والتقدير : مآبا فيه ، أي في اليوم . وهذا التفريع من أبدع الموعظة بالترغيب والترهيب عندما تسنح الفرصة للواعظ من تهيّؤ النفوس لقبول الموعظة . والاتخاذ : مبالغة في الأخذ ، أي أخذ أخذا يشبه المطاوعة في التمكن ، فالتاء فيه ليست للمطاوعة الحقيقة بل هي مجاز وصارت بمنزلة الأصلية . والاتخاذ : الاكتساب والجعل ، أي ليقتن مكانا بأن يؤمن ويعمل صالحا لينال مكانا عند اللّه لأنّ المآب عنده لا يكون إلا خيرا . فقوله : إِلى رَبِّهِ دل على أنه مآب خير لأن اللّه لا يرضى إلا بالخير . والمآب يكون اسم مكان من آب ، إذا رجع فيطلق على المسكن لأن المرء يئوب إلى مسكنه ، ويكون مصدرا ميميا وهو الأوب ، أي الرجوع كقوله تعالى : إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ [ الرعد : 36 ] ، أي رجوعي ، أي فليجعل أوبا مناسبا للقاء ربه ، أي أوبا حسنا . [ 40 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 40 ] إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ( 40 ) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً اعتراض بين مَآباً [ النبأ : 39 ] وبين يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ كيفما كان موقع ذلك الظرف حسبما يأتي . والمقصود من هذه الجملة الإعذار للمخاطبين بقوارع هذه السورة بحيث لم يبق بينهم وبين العلم بأسباب النجاة وضدها شبهة ولا خفاء . فالخبر وهو إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً مستعمل في قطع العذر وليس مستعملا في